الجصاص
608
أحكام القرآن
أسلم : " أن تزني فتخرج للحد " . وقال قتادة : " إلا أن تنشز فإذا فعلت حل اخراجها " . قال أبو بكر : هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ ، وجائز أن يكون جميعها مرادا فيكون خروجها فاحشة وإذا زنت أخرجت للحد وإذا بذت على أهله أخرجت أيضا ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس بالانتقال حين بذت على أحمائها ، فأما عصيان الزوج والنشوز فإن كان في البذاء وسوء الخلق اللذين يتعذر المقام معها فيه فجائز أن يكون مرادا ، وإن كانت إنما عصت زوجها في شئ غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر في اخراجها . وما ذكرنا من التأويل المراد يدل على جواز انتقالها للعذر لأنه تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار التي وصفنا . قوله تعالى : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) يدل على أنه إذا طلق لغير السنة وقع طلاقه وكان ظالما لنفسه بتعديه حدود الله ، لأنه ذكر ذلك عقيب طلاق العدة فأبان أن من طلق لغير العدة فطلاقه واقع ، لأنه لو لم يقع طلاقه لم يكن ظالما لنفسه . ويدل على أنه أراد وقوع طلاقه مع ظلمه لنفسه قوله تعالى عقيبه : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) يعني أن يحدث له ندم فلا ينفعه لأنه قد طلق ثلاثا . وهو يدل أيضا على بطلان قول الشافعي في أن إيقاع الثلاث في كلمة واحدة من السنة ، لأن الله جعله ظالما لنفسه حين طلق ثلاثا ، وترك اعتبار ما عسى أن يلحقه من الندم بإبانتها ، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر بطلاقه إياها في الحيض وأمره بمراجعتها ، لأن الطلاق الأول كان خطأ فأمره بالرجعة ليقطع أسباب الخطأ ويبتدئه على السنة . وزعم قوم أن الطلاق في حال الحيض لا يقع ، وقد بينا بطلان هذا القول في سورة البقرة من جهة الكتاب والسنة ، وسؤال يونس بن جبير لابن عمر عن الطلاق في الحيض وذكره لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالمراجعة قال : قلت : فيعتد بها ؟ قال : " فمه ؟ أرأيت إن عجز واستحمق ؟ " . فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال : كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا ؟ قال : طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض ، فقال عبد الله : فردها علي ولم يرها شيئا وقال : " إذا طهرت فليطلق أو ليمسك " قال ابن عمر : فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن " . فقال المحتج : فأخبر أنه ردها عليه ولم يرها شيئا ، وذلك يدل على أن الطلاق لم يقع . فيقال له : ليس فيما ذكرت دليل على أنه لم يحكم بالطلاق ، بل دلالته ظاهرة على